طلبت الإدارة من الفريق المالي مراجعة المشروع بعد أن وافقت عليه واستعدت لبدء التنفيذ.

أبدى الفريق مخاوفه بشأن التكلفة والتمويل والعائد المتوقع. استمعت الإدارة إلى ملاحظاته، لكن قرارها لم يتغير.

كان الفريق المالي حاضرًا، لكن رأيه لم يعد مؤثرًا في القرار.

رأيت هذا النمط يتكرر. نادرًا ما تستبعد الشركات الإدارة المالية تمامًا. وفي الغالب، لا تشرك الفريق المالي إلا بعد اعتماد الافتراضات المهمة. وحين تطلب الإدارة رأي الفريق في هذه المرحلة، فهي تطلب غالبًا تأكيد القرار، لا فحصه.

المشكلة بدأت قبل ارتفاع التكلفة

كان المشروع ضخمًا، وكان يمكن أن يغير مسار الشركة، لكنه احتاج إلى تمويل كبير. وكانت تقديرات التكلفة غير مفصلة؛ فلم يكن هناك جدول يبين بنود المشروع وكمياته وتكلفة كل بند، ولم تُحسب التكلفة الكاملة.

لم يكن واضحًا كم يحتاج المشروع من السيولة، أو ما الربح المتوقع، أو كيف ستتعامل الشركة مع ارتفاع التكلفة أو تأخر الإنجاز.

لم يعترض الفريق على المشروع. كان موقفه أن المعلومات المتاحة لا تكفي للحكم على جدواه.

كانت الإدارة واثقة من الفرصة وتخشى ضياعها، فبدا لها التأجيل أخطر من البدء استنادًا إلى تقديرات غير مؤكدة. لذلك بدأت الشركة التنفيذ وحصلت على القرض وفق التقديرات الأصلية.

ومع تقدم العمل، تجاوزت التكاليف الفعلية تلك التقديرات. لم يعد القرض كافيًا لإكمال المشروع وفق الخطة. تباطأ العمل، وتأخر الإنجاز، وبدأ سداد الأقساط قبل أن يحقق المشروع أي عائد.

دخلت الشركة في حلقة متكررة. ضغط ارتفاع التكاليف والأقساط على السيولة، وأدى نقص السيولة إلى مزيد من التأخير. وكل تأخير أجّل الإيراد وزاد حاجة المشروع إلى السيولة.

بدت المشكلة في ظاهرها مجرد تجاوز في التكلفة. لكنها بدأت قبل ذلك، حين اقترضت الشركة قبل أن تتحقق من دقة التقديرات.

كان لدى الشركة فريق مالي، لكنها أشركته بعد أن أصبح رأيه بلا أثر في القرار.

قيمة الإدارة المالية قبل اتخاذ القرار

تعمل المحاسبة والإدارة المالية معًا، لكنهما لا تؤديان الدور نفسه.

تسجل المحاسبة ما حدث. تسجل القرض وفوائده، ومصاريف المشروع، وما ينتهي إليه من ربح أو خسارة. وهذا العمل ضروري. فمن دون حسابات دقيقة، لا تعرف الإدارة ما حدث، ولا تستطيع تحديد الوضع المالي للشركة.

أما قيمة الإدارة المالية فتظهر في وقت أبكر، حين يكون القرار قابلًا للتغيير. تحسب تكلفة المشروع وأثره في السيولة، وتراجع الافتراضات، وتختبر قدرة الشركة على تحمل التأخير أو ارتفاع التكلفة.

بعد توقيع العقد، تضيق الخيارات. وبعد الاقتراض وبدء التنفيذ، تضيق أكثر. وعندما تظهر النتيجة في التقرير الشهري، تكون الشركة قد فقدت كثيرًا من أهم خياراتها.

القيمة الحقيقية للإدارة المالية هي تحسين القرار نفسه، لا إعداد تقرير آخر.

تنظر بعض الشركات إلى المالية على أنها مركز تكلفة. فالرواتب والأنظمة والاستشارات تظهر بوضوح في الحسابات. أما أثر تعديل القرار قبل تنفيذه، فمن الصعب رؤيته.

إذا رفضت الشركة مشروعًا خاسرًا، فلن يظهر في القوائم مبلغ باسم الخسارة التي تجنبناها. وإذا اكتشفت عجزًا في السيولة قبل وقوعه، فلن يظهر تقرير يبين حجم الأزمة التي لم تحدث. كذلك لا يظهر أثر تعديل سعر لا يغطي كامل التكلفة قبل إرسال العرض إلى العميل.

لنأخذ التسعير مثالًا. يبدو السعر مربحًا في البداية لأنه يغطي التكلفة المباشرة. لكن طريقة احتساب السعر قد تغفل المصاريف العامة، والخصومات، وتكلفة التمويل، وشروط الدفع، ومصاريف التسليم، وتكلفة تنفيذ الالتزامات بعد البيع. قبل إرسال العرض، تستطيع الإدارة المالية كشف هذه التكاليف وتعديل السعر أو الشروط. وبعد توقيع العقد، تستطيع تفسير سبب ضعف هامش الربح، لكن قدرتها على إصلاحه تكون محدودة.

وهذا ما حدث في المشروع. لو حُسبت التكلفة بالتفصيل قبل الاقتراض، لأمكن تعديل نطاق المشروع أو مبلغ التمويل أو توقيت التنفيذ أو حتى قرار تنفيذه. وبعد الاقتراض وبدء العمل، بقيت بعض الخيارات متاحة، لكنها أصبحت أعلى تكلفة.

كلما تأخرت مشاركة الإدارة المالية، تحول دورها من التأثير في القرار إلى تفسير نتائجه.

المالية ليست جهة موافقات

يتردد بعض المؤسسين في إشراك المالية مبكرًا لسبب مفهوم. تعاملوا من قبل مع فرق مالية حولت كل قرار إلى سلسلة من النماذج والموافقات، وكل فرصة إلى سبب للانتظار.

على الفريق المالي أن يثبت قيمة مشاركته. فإذا اكتفى بالاعتراض من دون فهم الفرصة، أو قياس المخاطر، أو عرض بدائل، فمن الطبيعي أن تراه الإدارة عقبة.

لكن الحل ليس استبعاد الإدارة المالية من القرار، بل التمييز بين إبداء الرأي المالي وامتلاك القرار النهائي.

الإدارة المالية لا تدير كل الأقسام، ولا تملك القرار النهائي. دور الفريق المالي هو توضيح تكلفة القرار وأثره في السيولة والربح، وفحص الافتراضات التي يعتمد عليها، وبيان المخاطر والبدائل المتاحة. أما الاختيار فيبقى لدى إدارة الشركة.

يمكن أن يفهم المؤسس السوق والعملاء أكثر مما يبينه أي نموذج مالي. ولا ينبغي للإدارة المالية أن تحل محل هذا الفهم، بل أن تختبر الافتراضات التي يجب أن تتحقق كي تنجح الخطة.

لا يحدد النموذج المالي ما إذا كانت رؤية المؤسس صحيحة، لكنه يبين ما إذا كانت سيولة الشركة ستنفد قبل تحقيقها.

لا تحتاج كل شركة ناشئة إلى مدير مالي متفرغ منذ اليوم الأول. لكنها تحتاج منذ البداية إلى رأي خبير في الشؤون المالية، ولو استعانت بمستشار يشارك في القرارات المهمة. ويتغير حجم هذا الدور بحسب نضج الشركة، لكن الرأي المالي يجب أن يسبق أي التزام يمكن أن يؤثر في السيولة أو الربح أو بقاء الشركة.

لا تحتاج الإدارة المالية إلى حضور كل اجتماع. لكن عليها أن تشارك قبل أن تلتزم الشركة بإنفاق مبلغ كبير، أو تحدد سعر صفقة مهمة، أو توقع عقدًا ضخمًا، أو تطلق مشروعًا، أو تقترض.

ولا يكفي أن يحضر الفريق المالي الاجتماع. يجب أن يناقش الافتراضات في وقت لا تزال فيه الإدارة مستعدة لتغيير القرار.

يتضح الدور الحقيقي للإدارة المالية من وقت مشاركتها. فإذا شاركت والقرار لا يزال قابلًا للتعديل، أسهمت في صنع القرار. أما إذا لم تشارك إلا بعد الالتزام بالقرار، فدورها محاسبي بلا تأثير في القرار.

السؤال المهم ليس هل حضر الفريق المالي الاجتماع، بل هل كانت الإدارة لا تزال مستعدة لتغيير القرار عند حضوره.